محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

242

الآداب الشرعية والمنح المرعية

يظل أحدكم يحمي نفسه الماء " " 1 " ورواه أيضا عن محمود عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقال زيد بن أسلم إن عمر رضي الله عنه حمى مريضا له حتى إنه من شدة ما حماه كان يمص النوي فالحمية من أعظم الأدوية وهي عما يجلب المرض حمية الأصحاء ، وعما يزيده حمية المرضى ، فإن المريض إذا احتمى وقف مرضه فلم يتزايد وأخذت القوى في دفعه . وقال الحارث بن كلدة : الطب الحمية . والحمية عندهم للصحيح في المضرة كالتخليط للمريض والناقة . وأنفع الحمية للناقة فإن طبيعته لم ترجع إلى قوتها فقوتها الهاضمة ضعيفة والطبيعة قابلة والأعضاء مستعدة فتخليطه يوجب انتكاسة أصعب من ابتداء مرضه . ولا يضر تناول يسير لا تعجز الطبيعة عن هضمه ويدل عليه حديث صهيب المذكور وقد ينتفع به لشدة الشهوة فتتلقاه الطبيعة والمعدة بالقبول فيصلحان ما يخاف منه ولعله أنفع مما تكرهه الطبيعة . وقد روى ابن ماجة بإسناد جيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد رجلا فقال له : " ما تشتهي ؟ " فقال : أشتهي خبز بر وفي لفظ أشتهي كعكا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من كان عنده خبز بر فليبعث إلى أخيه " ثم قال : " إذا اشتهى مريض أحدكم شيئا فليطعمه " " 2 " . ولا ينبغي إكراه المريض على طعام ولا شراب قال بعض الأطباء : لأن كراهته إما لاشتغال طبيعته بمجاهدة المرض أو لسقوط شهوته أو نقصانها لضعف الحرارة الغريزية أو خمودها فلا يجوز إعطاء الغذاء في هذه الحال والجوع طلب الأعضاء للغذاء لتخلف الطبيعة به عليها عوض ما تحلل منها فتجذب الأعضاء للبعيدة من القريبة حتى ينتهي الجذب إلى المعدة فيحس الإنسان بالجوع فيطلب الغذاء فإذا وجده المريض اشتغلت الطبيعة بمادته وإنضاجها أو إخراجها عن طلب الغذاء أو الشراب فإذا أكره المريض على ذلك تعطلت به الطبيعة عن فعلها واشتغلت بهضمه وتدبيره عن إنضاج مادة المرض ودفعه فيكون ذلك سببه لضرر المريض لا سيما في أوقات البخارين أو ضعف الحار الغريزي أو خموده ولا ينبغي أن يستعمل في هذا الحال إلا ما يحفظ عليه قوته ويقويها بما لطف قوامه واعتدل مزاجه من شراب وغذاء وهذا من غير اشتغال مزعج للطبيعة فإن الطبيب خادم للطبيعة ومعينها لا معيقها . والدم الجيد هو المغذي للبدن والبلغم دم فج قد نضج بعض النضج فإذا عدم الغذاء مريض فيه بلغم كثير عطفت الطبيعة عليه وطبخته وأنضجته وصيرته دما وغذت به الأعضاء

--> ( 1 ) أخرجه الحاكم ( 4 / 207 ) ، وفيه أن المريض هو زيد بن أسلم نفسه . ( 2 ) حديثان ضعيفان . الأول عن ابن عباس ، وفيه صفوان بن هبيرة لين الحديث . والثاني عن أنس ، وفي إسناده يزيد الرقاشي ضعيف . والحديثان عند ابن ماجة ( 3440 ، 3441 ) وآخر الحديث متعلق بالحديث الأول فقط .